محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

144

الآداب الشرعية والمنح المرعية

وقال عيسى عليه السّلام : يباعدك من غضب اللّه عز وجل أن لا تغضب . وقد ذكرت معناه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وقال سليمان بن داود عليهما السّلام : أعطينا ما أعطي الناس وما لم يعطوا ، وعلمنا ما علم الناس وما لم يعلموا ، فلم نر شيئا أفضل من العدل في الرضا والغضب ، والقصد في الغنى والفقر ، وخشية اللّه عز وجل في السر والعلانية . وقال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : إنما يعرف الحلم ساعة الغضب وكان يقول : أول الغضب جنون وآخره ندم ولا يقوم الغضب بذل الاعتذار وربما كان العطب في الغضب وقيل للشعبي لأي شيء يكون السريع الغضب سريع الفيئة ويكون بطيء الغضب بطيء الفيئة ؟ قال : لأن الغضب كالنار فأسرعها وقودا أسرعها خمودا . أراد المنصور خراب المدينة لإطباق أهلها على حربه مع محمد بن عبد اللّه بن حسن فقال له جعفر بن محمد يا أمير المؤمنين إن سليمان عليه السّلام أعطي فشكر ، وإن أيوب عليه السّلام ابتلي فصبر ، وإن يوسف عليه السّلام قدر فغفر ، وقد جعلك اللّه عز وجل من نسل الذين يعفون ويصفحون . فطفىء غضبه وسكت . وسيأتي ما يتعلق بهذا بالقرب من نصف الكتاب في الخلق الحسن والحلم ونحو ذلك . وقد قال ابن هبيرة فيما رواه البخاري عن أبي هريرة مرفوعا " 1 " : " لا يدخل الجنة أحد إلا أري مقعده في النار لو أساء ليزداد شكرا ، ولا يدخل النار أحد إلا أري مقعده من الجنة ليكون عليه حسرة " قال فيه من الفقه أن المنعم عليه إذا بولغ في الإحسان إليه فإن من تمام الإحسان أن يشعر قدر أكثر الذي خلص فيه ليكون عليه من جهتين ، بأن وقاه اللّه عز وجل الشر وغمسه في الخير ، كما أن الكافر إذا اشتد به الانتقام أري مقام الفوز الذي فاته لتضاعف حسرته من طرفين : ما هو فيه وتوالي حسراته على ما فاته من الخير ليكون غمه من كلا جانبيه . وقال ابن عقيل في الفنون : قال بعض أهل العلم قولا بمحضر من السلطان في الإحتداد عليه وأخذ بعض من حضر يترفق ويسكن غضبه ولم يك محله بحيث يشفع في مثل ذلك العالم ، فالتفت العالم فقال للشافع : يا هذا غضب هذا الصدر وكلامه إياي بما يشق أحق إلي من شفاعتك إليه ، فإن غضبه لا يغض مني وهو سلطاني ، وشفاعتك في غضاضة علي - وكان القائل حنبليا - فأفحم الشافع وأرضى السلطان . وقال أيضا : غضب بعض الصوفية على الأمير في طريق الحج فقال حنبلي بلسان القوم . قبيح بنا أن نخرج ونرجع مطاوعة للنفوس وهل خرجنا إلا وقد قتلنا النفوس ؟ فرجع معه وأطاعه فقال سبحان اللّه لو خوطبوا بلسان الشريعة من آية أو خبر ما استجابوا فلما خوطبوا بكلمتين من الطريقة أسرعوا الإجابة فما أحسن قول اللّه عز وجل : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [ سورة إبراهيم : الآية 4 ] !

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 6569 ) .